لابد من قراءة الموضوع السابق "سؤال التغيير فى مصر.. الإجابات كلها خاطئة!!" لمتابعة هذا الموضوع.
فى حين نبحث فى أغلب الأحيان بين الأشياء تكون الإجابة كامنة وسط السلوك والتصرفات وليس الأشياء، ففى الوقت الذى يفقد فيه الناس الثقة فى الكيانات الموجودة فى تحقيق متطلباتها وأحلامها، ويتحسسون هنا وهناك بحثاً عن كيان جديد يبرز إلى الساحة ليقدم الجديد ويحقق الأمل، هنا يبدو الحل فى تعديل الفكر والسلوك للكيانات القديمة أو حتى الجديدة باختلافها عن القديم فى الطريقة والطرح. ولكن الجمود الذى أصبح داء الأمة فى كثير من مشاهدها أصبح يوحى بأن كل كيان قائم وقديم لن يتغير وبالتالى فالأمل فى الكيان الجديد، وهى معادلة غير واقعية لأنه حتى فى هذه الأوقات يبدو لى أن الكيان الجديد سوف يشارك القديم فى نفس أمراضه وعلله خصوصاً إذا كان الداء مشتركاً بين الأغلبية، وليس قاصراً على جهة محددة، فهو حينئذٍ يبدو وكأنه داء المجمتع أو الثقافة وليس وليد فكر خاص بهذا الكيان وحده.
فنحن حينما نتحدث عن الميل إلى الثبوت على ثقافة معينة بديلاً عن التغيير والتعديل والتطوير فيها،
وحينما نتحدث عن المحافظة على الكيان والهيئة قبل الأهداف والغايات،

وحينما نتحدث عن الأشخاص أكثر من الأفكار،
وحينما نتحدث عن الخوف الشديد من المغامرة ولو كانت محسوبة العواقب،
وحينما نتحدث عن مكاسب خاصة بأهداف الكيان فقط قبل الأهداف العامة المشتركة،
وحينما نتحدث عن قرارات تتخذ فى أفضل الأحوال بين الصفوة وليس بين العامة والشريحة العريضة،
وحينما نتحدث عن أناس يحاولون بيع اليأس بدلاً من الأمل أو محاولة بيع الأمل ممن لا يملكه،
وحينما نتحدث عن عدم القدرة على فهم الآخر لآننا لا نستطيع أن نحترم من نختلف معه فى الأغلب،
فنحن لا نتحدث عن كيان معين فى مصر ولكن عن كل الكيانات فى مصر كلها، لأنها مشكلة بيئة وثقافة ألقت بظلالها على كل كيان يخرج فى هذا البلد، لذلك لم يصبح الحل هو نشوء كيان جديد بقدر ما هو تغيير الثقافه والتوجه العام الذى يحكم تفكير الناس فى مصر. فى ظل ما سبق أحاول طرح رؤية لبداية مشروع تغيير لمصر من خلال الحديث حول الإجابات الخاطئة عن سؤال التغيير فى مصر.
فبالنسبة إلى الإخوان أرى أنهم يمكن أن يكونوا جزءاً من الإجابة الصحيحة إذا تبنوا عدة نقاط وهى:
- بدء فصل الجماعة إلى كيانين بنفس الفكر ولكن منفصلين تنظيمياً ، كيان سياسى فى شكل حزب سياسى، وآخر دعوى دينى فى شكل جمعية دينية تكون مهمتها الدعوة والتربية والأعمال الخيرية. والجزء السياسي (الحزب يدخل مع اقتراح الأحزاب الذى سأذكره لاحقاً).
- التخلى عن الشعار (الإسلام هو الحل) واستبداله بشعار اخر – ممكن يبقى اسلامى برضه بس مش مطلق زى ده – لأنهم لايقدمون الإسلام ولكن يقدمون رؤيتهم للإسلام والتى يختلف معهم الكثير فيها تشدداً او تسهيلاً، فهذا الشعار احتكارى، لا يترك الفرصة لإسلاميين آخرين بممارسة السياسة بشعار اسلامى اخر، فماهو الشعار المتوقع مثلاً لحزب الوسط اذا بدء ممارسة السياسة او للتيار السلفى اذا ما قرر دخول السياسة والعمل فيها؟!

- رؤية واضحة حول المرحلة، وإدراك أن البرنامج كنص فى هذه المرحلة فى الأغلب لن نجد فيه اختلافات جوهرية بين حزب الغد والإخوان وحزب الكرامة مثلاً، لذلك لا معنى لصنع الأزمة فى أى موقف دفاعاً عن الأيدلوجية الإسلامية فهى ليست مهاجمة الآن أصلاً داخل مصر، وليست هى الأزمة فى اعتقادى، بالعكس أى نشاط سياسى ناضج يحاول أن يخطب ود الحس الدينى عند الشعب المصرى، وإلا فلن يجد له أرضا يعمل فيها.
- الإخوان هم الأكبر حجما على الساحة فى مصر الآن لذلك وجب عليهم التصرف كأب حكيم – دماغه كبيرة - يفهم أبناءه فى مرحلة المراهقة وليس كند عنيد لخصوم سياسين ليسوا من نفس المستوى وهم أنفسهم يفهمون ذلك جيداً.
أما بالنسبة للأحزاب تحت التأسيس فعليها الآتى:
- الإعلان الفورى من طرف واحد عن تأسيسها وبدء نشاطها دون تسول موافقة لجنة الأحزاب عليها، كما يحدث فى دول العالم المتحضر، والبدء فوراً فى نشاطها الحزبى بجد – مش تمثيل مشرف – بكل معانيه.
- دراسة أسباب فشل الأحزاب القديمة التقليدية وعدم تكرارها لأنى أرى الأحزاب الجديدة تسير على خطاها بالضبط وتأبى أن تتعلم من أخطاء من سبقوها، فتقديس الأشخاص، وانتظار موافقة النظام، والمصالح المتشابكة، ونظام الشلل، والكثير غير ذلك لا يخلو منه حزب من الأحزاب الجديدة للأسف الشديد.
- أن تدرك أن نشاط حزبى = نشاط شعبى ولايساوى بأى حال من الأحوال نشاط نخبوى داخل غرف مغلقة، والواقع يشهد بأن العمل الجماهيرى لدى كل الأحزاب = صفر كبير.
أما التحالفات الحزبية والحركات الجديدة ففيها عدة نقاط:
- لن يحدث تحالف معارض حقيقى فى مصر إلا بعد أن يحدث توازن للقوى، فليس هناك أى معنى أن يجلس من يمثل الإخوان مع 14 ممثل لاتجاهات أخرى للاتفاق على تنظيم مظاهرة مثلاً فى حين يستطيع الإخوان بمفردهم تنظيم مظاهرة تضم أكثر من 10 أضعاف كل القوى الأخرى مجتمعة، وهذه حقيقة لا يجادلون فيها هم أنفسهم بغض النظر عن التفاصيل.

- الحركات الشعبية – مثل كفاية – عليها أن تدرك أنها فى الأغلب ستكون حركات مرحلية يؤدى كل منها هدف وينتهى، لذلك فلا مجال للقول بأن "كفاية وجدت لتبقى" لأننى أقول "البقاء لله وحده" وإذا كانت الدول تقوم وتسقط والأيدلوجيات تأتى وتذهب حول العالم فالحديث عن بقاء حركة هو شئ مضحك أحياناً خصوصا إذا كانت قد أدت هدف واضح ومحدد مثل كسر بعض الخطوط الحمراء والنزول إلى الشارع.
- لازال أغلب من يمارسون العمل السياسى خصوصا من الشباب وكثيراً من الكبار يمارسونه كهواة، أما الاحتراف ودراسة العمل السياسى فهو فى أغلب الأحيان بعيد جداً عن نطاق تفكير الحركات الشعبية أو جبهات المعارضة. الأمل هو المحرك الأساسى للأعمال التغييرية، لذلك إذا افتقدت الحركة الأمل فى إحداث هذا التغيير أو الإيمان بتأثير الدور الذى تلعبه، خصوصاً بين قادتها – فى قرارة أنفسهم وليس فى تصريحاتهم فقط – فإن هذه الحركة قد انتهت بالتأكيد.
وبالنسبة للمصلحين المخلصين من داخل الحزب الوطنى وهم قلة، أقول لهم باختصار "ابتدوا على نظافة أحسن"
وفيما يخص القوى الدولية أو الضغوط الخارجية:

- أنا لى موقف منها ربما يختلف معى الكثير فيه، وهو أن العيب ليس مساندة أمريكا لأى قوى تغييرية مخلصة فى أى بلد من العالم – حتى لو كان ذلك لمصلحة أمريكا – لكن العيب هى أن تنجح أمريكا أو أى دولة أخرى فى السيطرة الكاملة على حركة ما بحيث تضطرها فى وقت ما لتقديم مصلحة خارجية على مصلحة داخلية لأنها هى الداعم، وهذا يحكمه طبيعة العلاقة التى تدعم بها هذا الكيان التغييرى، أما فكرة "الحكومة العميلة" وفكرة "الحكومة اللى جت على الدبابات الأمريكية" أو غيره هو كلام عاطفى ليس له أساس سياسى غير مراعاة الجوانب العاطفية عند شعب مثل الشعب العربى والذى يتأثر كثيراً بهذا الكلام، لكن لو فيه وعى هو الشعب ماله أمريكا تساعدنى ولا تكرهنى المهم أنا أعمل لمصلحة الشعب ولا ضدها؟!!! هذا بالطبع يحكمه أشياء عديدة مثل هل اعتماد هذه الحركة على الخارج هو اعتماد كلى – بمعنى انها لا تستطيع البقاء او الاستمرار دون هذا الدعم – أم انه دعم مساعد وتأييدى لأن القوة تستمد أصل قوتها من مصادر أخرى كالشارع أو العلاقات مع الداخل بشكل أو بآخر. ومن هنا يمكننا أن نفهم أن التغيير الناضج أو التغيير الحلم سوف يحدث فقط عندما تتغير الثقافة ويتغير السلوك وتتضافر الإجابات جميعاً فى الاتجاه المشترك للإجابة عن سؤال التغيير فى مصر. وللحديث بقية حول دور النجاحات الصغيرة فى بناء قدرة الشعوب على المقاومة.